يرى الكاتب جون أندا أن توسع مصر في نموذج اقتصادي تتركز فيه مهام التنظيم والنشاط التجاري والرقابة داخل مؤسسة واحدة يثير تساؤلات ستضطر دول أفريقية عديدة إلى الإجابة عنها مستقبلًا، خصوصًا مع تنامي الدور الاقتصادي للمؤسسات المرتبطة بالدولة والمؤسسة العسكرية.
وأشار أندا إلى أن البرلمان المصري أقر أخيرًا تشريعًا يوسع رسميًا صلاحيات «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، المرتبط بالمؤسسة العسكرية، ليصبح واحدًا من أقوى الكيانات الاقتصادية في البلاد، مع إخضاعه للإشراف المباشر لرئاسة الجمهورية ومنحه مسؤوليات واسعة تشمل الزراعة، واستيراد السلع الاستراتيجية، ومصايد الأسماك، والعقارات، والاستثمارات.
ووفقًا لما أورده موقع «ديفيلوبمينت دياريز»، تطور الجهاز من مشروع لاستصلاح الأراضي أطلق عام 2017 إلى مؤسسة تتولى التخطيط وإصدار التراخيص وتخصيص الأراضي وإدارة الأصول وتحصيل الإيرادات وتشغيل أنشطة تجارية في قطاعات تنظمها بنفسها.
وتقول الحكومة المصرية إن تركيز هذه الصلاحيات يساعدها على تنفيذ مشروعات البنية التحتية بوتيرة أسرع، وتعزيز الأمن الغذائي، والتعامل بكفاءة أكبر مع الصدمات الاقتصادية. وتُعد هذه أهدافًا مشروعة للسياسات العامة في بلد يتجاوز عدد سكانه 100 مليون نسمة ويعاني محدودية الأراضي الصالحة للزراعة وتكرار اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
حين تتحول الجهة المنظمة إلى منافس في السوق
قد يتقدم شخص للحصول على أرض زراعية من جهة تمارس النشاط الزراعي تجاريًا في الوقت نفسه، أو يطلب ترخيصًا من مؤسسة تنافسه على العملاء أنفسهم. وقد لا يكون رفض الطلب ناتجًا عن معاملة غير عادلة، لكن إثبات العكس يصبح شبه مستحيل عندما تصبح الجهة المنظمة والمنافس مؤسسة واحدة.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في ظل إعفاء القانون الجديد الجهاز من عدد من القوانين القائمة. وبينما لا تزال تفاصيل هذه الإعفاءات غير واضحة، فإن منح مؤسسة عامة أي استثناءات يثير تلقائيًا تساؤلات حول مدى استمرار الشركات الخاصة المنافسة في العمل وفق القواعد نفسها.
وحث صندوق النقد الدولي مصر مرارًا على الحد من الهيمنة التجارية للمؤسسات المملوكة للدولة والمؤسسة العسكرية، معتبرًا أن حصولها على أفضلية في الوصول إلى الأراضي والإعفاءات الضريبية وغيرها من المزايا يضعف المنافسة ويثبط الاستثمار الخاص.
لكن الحكومة تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، إذ يرى مسؤولون أن القطاعات الاستراتيجية لا يمكنها دائمًا انتظار إجراءات شراء مجزأة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأمن الغذائي الوطني وتوفير السلع الأساسية.
تشارك الحكومات في النشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم، لكن مشكلة المساءلة تبدأ عندما تنظم الحكومة سوقًا ما وتنافس فيه في الوقت نفسه.
وتوجد مؤسسات تجارية مرتبطة بالجيش في عدد من الدول الأفريقية، بينها نيجيريا وأوغندا وزيمبابوي والسودان وإثيوبيا. لكن مصر طورت واحدة من أكثر النماذج اتساعًا في القارة، ما يجعل تجربتها ذات صلة بالحكومات التي تدرس تبني نماذج اقتصادية مماثلة تقودها الدولة.
صغار المزارعين والنساء في قلب أزمة المساءلة
يغير الإشراف الرئاسي المباشر طبيعة المساءلة أيضًا، إذ تخضع المؤسسات عادة للقوانين وللمراجعين المستقلين وهيئات الرقابة التي تستمر في أداء دورها رغم تغير القيادات السياسية.
ويُرجح أن يشعر صغار المزارعين والصيادين بأكبر آثار تركيز السلطة، لأنهم يعتمدون على الوصول إلى الأراضي والتراخيص وفرص الإنتاج التي تتحكم فيها المؤسسات العامة. وتواجه النساء، اللواتي يشكلن نسبة كبيرة من القوى العاملة الزراعية في مصر رغم امتلاكهن نسبة أقل بكثير من الأراضي الزراعية المسجلة، صعوبات أكبر في الاعتراض على القرارات المتعلقة بتخصيص الأراضي.
ويتأثر المستهلكون أيضًا، إذ تعتمد واردات السلع الاستراتيجية بصورة متزايدة على قرارات إدارية بدلًا من آليات السوق التنافسية.
ويلزم الدستور المصري الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص ومكافحة الفساد، بينما يلزم الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بإدارة الموارد العامة بما يخدم مصالح المواطنين.
وتصبح القدرة على قياس الالتزام بهذه المبادئ صعبة عندما تضع مؤسسة واحدة القواعد، وتشارك في اللعبة، ثم تتولى تقييم أدائها بنفسها.
مصر أمام اختبار الرقابة والاستقلال الاقتصادي
ودعا الكاتب إلى أن توضح الجهاز المركزي للمحاسبات علنًا ما إذا كان يحتفظ بكامل صلاحياته في مراجعة حسابات جهاز مستقبل مصر، كما دعا البرلمان إلى نشر القائمة الكاملة للقوانين التي أُعفي منها الجهاز.
كما ينبغي لصندوق النقد الدولي أن يوضح ما إذا كان التشريع يتوافق مع التزامات الحياد التنافسي المرتبطة ببرنامج الإصلاح الجاري في مصر.
وبالنسبة إلى الحكومات في مختلف أنحاء أفريقيا، تقدم التجربة المصرية فرصة للتفكير في السؤال المتعلق بما إذا كان تسريع تنفيذ المشروعات ينبغي أن يأتي على حساب الرقابة المستقلة. فعندما تبدأ الحكومة في منافسة المواطنين الذين تنظم نشاطهم، يصبح الوصول إلى المساءلة أكثر صعوبة.
https://developmentdiaries.com/why-egypts-expanding-state-economy-should-concern-the-rest-of-africa/

